محمد جمال قندول يكتب: حكومة كامل إدريس.. كفاءة تُعيد تعريف المنصب العام في السودان

في تطور لافت على الساحة السياسية السودانية، أعلنت حكومة كامل إدريس عن دفعة جديدة من الوزراء، في خطوة وُصفت بأنها تجسيد حقيقي لمبدأ الكفاءة فوق كل اعتبار. وقد أثارت التعيينات الأخيرة اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط الشعبية والرسمية، خاصة أنها شملت وزارات استراتيجية مثل الزراعة، التعليم العالي، والصحة، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري لأي مشروع إصلاحي أو تنموي.
اختيارات حكومة كامل إدريس تضع الكفاءة في المقدمة
تأتي هذه التعيينات ضمن رؤية رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، الذي تولى المنصب في ظل تحديات جسيمة تمر بها البلاد، أبرزها تداعيات الحرب المدمّرة التي اندلعت عقب تمرد ميليشيات في أبريل 2023، وما تبعها من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة. وكان إدريس قد شدد في تصريحاته على أن اختياره للوزراء الجدد تم بعد دراسة متأنية للسير الذاتية، واضعًا معيار الكفاءة والخبرة كمرجعية أساسية.
وضم التشكيل الوزاري الجديد:
البروفيسور عصمت قرشي عبد الله محمد وزيرًا للزراعة والري.
البروفيسور أحمد مضوي موسى محمد وزيرًا للتعليم العالي والبحث العلمي.
البروفيسور معز عمر بخيت العوض وزيرًا للصحة.
كفاءات في مواقع القرار.. رسالة واضحة من حكومة إدريس
يرى المحلل السياسي د. عمار العركي أن ما يميز هذه التعيينات أنها كسرت النمط التقليدي الذي اعتاد السودانيون عليه في تشكيل الحكومات. وأوضح أن الدكتور كامل إدريس لم يخضع لضغوط التوازنات السياسية أو المحاصصات الجهوية، بل اختار وزراءه بناءً على مؤهلاتهم الأكاديمية وتجاربهم العملية.
وأضاف العركي في تصريحاته أن تعيين البروفيسور عصمت قرشي يعكس عودة الاهتمام الجاد بالقطاع الزراعي، الذي ظل لسنوات مهمشًا رغم كونه من أهم مقومات الاقتصاد السوداني. ويصفه بأنه خبير ميداني يعرف التحديات الزراعية عن قرب، وأن وجوده في الوزارة يمثل “رد اعتبار” للزراعة كأداة سيادية لا مجرد نشاط اقتصادي.
أما البروفيسور أحمد مضوي، فقد وصفه العركي بأنه شخصية أكاديمية رصينة، قادت عددًا من المؤسسات التعليمية، ويحمل فكرًا إصلاحيًا يؤمن بأن جودة التعليم تبدأ من استقلالية المؤسسات وتحفيز البحث العلمي، لا من الشعارات الجوفاء.
وفيما يخص وزارة الصحة، فقد رأى العركي أن البروفيسور معز عمر بخيت يمثل حالة فريدة تجمع بين العلم والإنسانية، كونه طبيبًا وباحثًا ومثقفًا. وقال إن الرجل يملك رؤى تتجاوز حدود العلاج إلى عمق السياسات الصحية، معتبرًا أن حضوره في الوزارة رسالة بأن الصحة يجب أن تُدار بعقلية علمية وأخلاقية.
إعادة تعريف المنصب العام في السودان
يبدو أن حكومة كامل إدريس تسير بخطى ثابتة نحو إعادة بناء الجهاز التنفيذي على أسس مهنية. فوفقًا لتحليلات خبراء سياسيين، فإن ما يميز الوزراء الجدد هو التقاء ثلاثة عناصر: الكفاءة الأكاديمية، التجربة الإدارية، والالتزام الوطني. وهي صفات نادرة التجمع في فريق واحد، لكنها اليوم تشكل نواة أمل لحكومة تعمل في ظروف معقدة، وتحاول شق طريقها نحو الاستقرار والتنمية.
ويؤكد العركي أن هذه التعيينات تعكس محاولة جادّة لإعادة تعريف مفهوم المنصب العام، ليكون أمانة ومسؤولية، لا غنيمة أو وسيلة للتفاخر. وقال: “حين يُختار الشخص المناسب في المكان المناسب، تُبنى الدول ويُستعاد الأمل”.
كما دعا العركي الرأي العام إلى تقييم هذه الأسماء من خلال الأداء لا الانطباعات المسبقة، مشيرًا إلى أن الكفاءة لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي، بل تُثبت نفسها بالنتائج على الأرض.
ختامًا: حكومة كامل إدريس أمام اختبار الفرصة والتاريخ
لا شك أن حكومة كامل إدريس تحمل على عاتقها تحديات جسيمة، ولكن البداية توحي بإرادة تغيير حقيقية، عنوانها الأبرز: “الكفاءة أولًا”. وإن كان البعض لا يزال يتريث في إصدار حكمه على الحكومة الجديدة، فإن المؤشرات الأولية تبعث برسائل إيجابية مفادها أن السودان قد بدأ يستعيد بوصلته نحو التكنوقراط، ونحو وطن تُدار مؤسساته بالعلم لا الولاءات.